الغزالي

40

إحياء علوم الدين

الناس فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم ، فقد أجمع الذين عرّضت بذكرهم على تقدمهم ، وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ، ولم يكن تقدّمهم بالكلام والفقه ، بل بعلم الآخرة وسلوك طريقها ، وما فضل أبو بكر [ 1 ] رضي الله عنه الناس بكثرة صيام ولا صلاة ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام ولكن بشيء وقر في صدره ، كما شهد له سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم . فليكن حرصك في طلب ذلك السرّ ، فهو الجوهر النفيس والدّر المكنون ، ودع عنك ما تطابق أكثر الناس عليه وعلى تفخيمه وتعظيمه لأسباب ودواع يطول تفصيلها ، فلقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة رضي الله عنهم كلهم علماء با لله أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام ، ولا نصب نفسه للفتيا منهم أحد ، إلا بضعة عشر رجلا . ولقد كان ابن عمر رضي الله عنهما منهم ، وكان إذا سئل عن الفتيا يقول للسائل : اذهب إلى فلان الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه . إشارة إلى أن الفتيا في القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة . ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود : مات تسعة أعشار العلم ، فقيل له : أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة ؟ فقال : لم أرد علم الفتيا والأحكام إنما أريد العلم با لله تعالى ، أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل ؟ فما بالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر تسعة أعشاره ؟ وهو الذي سد باب الكلام والجدل ، وضرب ضبيعا بالدرّة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب الله ، وهجره وأمر الناس بهجره . وأما قولك : إن المشهورين من العلماء هم الفقهاء والمتكلمون ، فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله شيء ، وما ينال به الشهرة عند الناس شيء آخر ، فلقد كان شهرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة ، وكان فضله بالسر الذي وقر في قلبه . وكان شهرة عمر رضي الله عنه بالسياسة ، وكان فضله بالعلم با لله الذي مات تسعة أعشاره بموته ، وبقصده التقرّب إلى الله عز وجل في ولايته ، وعدله وشفقته على خلقه ، وهو أمر باطن في سره . فأما سائر أفعاله الظاهرة فيتصور صدورها من طالب الجاه والاسم والسمعة والراغب في الشهرة ، فتكون الشهرة فيما هو المهلك ، والفضل فيما هو سرّ لا يطلع عليه أحد . فالفقهاء والمتكلمون مثل الخلفاء والقضاة والعلماء ،